العيني
235
عمدة القاري
حتَّى إذَا ساوَى بَيْنَ الْصَّدَفَيْنِ : يُقَالُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ الجَبَلَيْنِ والسُّدَّيْنِ الجَبَلَيْنِ قرأ أبان : حتى إذا سوَّى ، بتشديد الواو بحذف الألف ، وقال أبو عبيدة : قوله : ( بين الصدفين ) ، أي : ما بين الناحيتين من الجبلين ، والصدفين ، بضمتين وفتحتين وضمة وسكون وفتحة وضمة . قوله : ( يقال عن ابن عباس ) ، تعليق بصيغة التمريض ووصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، والسدين ، بضم السين وفتحها بمعنى واحد ، قاله الكسائي ، وقال أبو عمرو بن العلاء : ما كان من صنع الله فبالضم ، وما كان بصنع الآدمي فبالفتح ، وقيل : بالفتح ما رأيته ، وبالضم ما توارى عنك . خَرْجاً أجْراً أشار به إلى لفظ خرجا ، ثم فسره بقوله : أجراً ، وروى ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس : خرجاً ، قال : أجراً عظيماً . قال انْفُخُوا حتَّى إذَا جَعَلَهُ نارَاً قال آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرَاً أصْبُبْ علَيْهِ رَصاصاً ويُقالُ الحَدِيدُ ويُقالُ الصُّفْرُ : وقال ابنُ عَبَّاسٍ النُّحَاسُ قال المفسرون : حشى ما بين الجبلين بالحديد ، ونسج بين طبقات الحديد بالحطب والفحم ، ووضع عليها المنافيج . ( قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً ) أي : كالنار من النفخ . ( قال : أتوني ) أي : أعطوني ( أفرغ عليه قطراً ) ، وفسر البخاري قوله : أفرغ ، بقوله : أصيب ، من : صب يصب إذا سكب ، وذكره بفك الإدغام لأن المثلين إذا اجتمعا في كلمة واحدة يجوز فيه الإدغام والفك ، والإدغام أكثر ، وفسر قطراً بقوله : رصاصاً ، وهو بكسر الراء وفتحها . قوله : ( ويقال : الحديد ) أي : القطر هو الحديد ( ويقال : الصفر ) أي : الصفر ، بضم الصاد وكسرها ، وفي ( المغرب ) : الصفر النحاس الجيد الذي تعمل منه الآنية . قوله : ( وقال ابن عباس : النحاس ) أي : القطر هو النحاس ، وكذا قاله السدي فَمَا اسْطاعُوا أنْ يظْهِروُهُ يَعْلُوهُ اسْطَاَعَ اسْتَفْعَلَ مِنْ أطَعْتُ لَهُ فَلِذَلِكَ فُتِحَ أسْطاعَ يَسْطِيعُ وقال بَعْضُهُمُ اسْتَطاَعَ يَسْتَطِيعُ وما اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبَاً قوله : ( فما اسطاعوا ) أي : فما قدروا أن يظهروه أي : يعلوه ، من قولهم : ظهرت فوق الجبل إذا علوته ، وهكذا فسره أبو عبيدة . قوله : ( اسطاع استفعل ) ، أشار به إلى أن : فما اسطاعوا الذي هو بفتح الهمزة وسكون السين بلا تاء مثناة من فوق ، جمع مفرده : اسطاع ، وزنه في الأصل : استفعل ، لأنه من : طعت ، بضم الطاء وسكون العين ، لأنه من باب فعل يفعل مثل نصر ينصر ، ولكنه أجوف واوي لأنه من الطوع ، يقال : طاع له وطعت له ، مثل قال له وقلت له ، ولما نقل طاع إلى باب الاستفعال صار : استطاع ، على وزن : استفعل ، ثم حذفت التاء للتخفيف بعد نقل حركتها إلى الهمزة فصار : اسطاع ، بفتح الهمزة وسكون السين ، وأشار إلى هذا بقوله : فلذك فتح : اسطاع ، أي : فلأجل حذف التاء ونقل حركتها إلى الهمزة ، قيل : اسطاع يسطيع ، بفتح الهمزة في الماضي وفتح الياء في المستقبل ، ولكن بعضهم قال في المستقبل بضم الياء ، فمن فتح الياء في المستقبل جعله من : طاع يطيع ، ومن ضمها جعله من : طاع يطوع ، يقال : أطاعه يطيعه فهو مطيع ، وطاع له يطوع ويطيع فهو : طائع ، أي : أذعن له وانقاد ، والاسم : الطاعة ، والاستطاعة القدرة على الشيء . قوله : ( وما استطاعوا له نقباً ) وهو من قوله تعالى بعد ، قوله : ( فما اسطاعوا أن يظهروه ) ، ذكره إشارة إلى أن التصرف المذكور كان في قوله : ( فما اسطاعوا أن يظهروه ) وأما قوله : ( وما استطاعوا له نقباً ) فعلى الأصل من باب الاستفعال . قوله : ( نقباً ) يعني : لم يتمكنوا أن ينقبوا السد من أسفله لشدته وصلابته ، ولم أر شارحاً حرر هذا الموضع كما ينبغي ، فالحمد لله على ما أولانا من نعمه . قال : هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فإذَا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ألْزَقَهُ بالأرْضِ وناقَةٌ دَكَّاءُ لاَ سَنَامَ